تأملات في أحاديث الرقية (1)

الحمدلله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فهذه سلسلة من المقالات في الكلام على مسائل متعلقة بالرقية وما يتصل بها، أسميتها ( تأملات في أحاديث الرقية )، أورد فيها بعض الأحاديث، وما يُستفاد منها من فقه وعلم.
               
مراعاة مبدأ التخصص:

1 - روى البخاري عن أم سلمة- رضي الله عنها-: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَأَى في بَيْتِها جارِيَةً في وجْهِها سَفْعَةٌ، فقالَ: "اسْتَرْقُوا لَها، فإنَّ بها النَّظْرَةَ".

قوله: "النظرة" أي: العين، وقيل: العين من الجن.

والاسترقاء: هو طلب الرقية. قال ابن الأَثير في بيان معنى حديث "اسْتَرْقُوا لهَا فإنَّ بها النَّظْرَة" أَي: اطْلُبوا لها من يَرْقِيها. أهـ. غريب الحديث،2/255.

قال ابن حجر: " فلذلك أذن - صلى الله عليه وسلم - في الاسترقاء لها، وهو دالٌ على مشروعية الرقية من العين". فتح الباري، شرح الحديث 5407

فتأمل كيف أنه عليه الصلاة والسلام لم يُرشد الجارية إلى أن ترقي نفسها، ولم يطلب من الحاضرات عندها أن يقرأوا عليها، بل قال لهن: " استرقوا لها " أي: اطلبوا لها من يرقيها.

وهذا يدلك على أن الرقية تخصص يُراعى، ولو كان كل أحدٍ يرقي لما طلب منهن أن يسترقوا لها، ولاحظ أن من الحاضرات بعض أمهات المؤمنين، ولا يُظن فيهن الجهل أو عدم المعرفة بالقرآن، فهذا فيه مراعاة مبدأ التخصص، وأن الرقية إنما تُطلب من المتخصصين فيها، والله أعلم.

2- روى البخاري ومسلم عن عائشة- رضي الله عنها-: كانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَسْتَرْقِيَ مِنَ العَيْنِ.
وتأمل هنا كيف لم يأمرها أن تقرأ على نفسها، وترقي نفسها، بل أمرها أن تسترقي، أي: تطلب الرقية من الغير، المتخصص فيها، حتى يرقيها.


3- روى مسلم عن جابر بن عبدالله- رضي الله عنه- قال: لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ، وَنَحْنُ جُلُوسٌ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللهِ، أَرْقِي؟ قالَ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنكُم أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ.

5779- [...] ابنُ جُرَيْجٍ، بهذا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، غيرَ أنَّهُ قالَ: فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَرْقِيهِ يا رَسولَ اللهِ، وَلَمْ يَقُلْ: أَرْقِي.

وفي هذا الحديث كذلك لم يطلب من اللديغ أن يرقي نفسه، وأذِن لمن تبرّع بالرقية أن يرقيه، ولم يقم بهذه الرقية راوي الحديث جابر - رضي الله عنه- وإنما قام بها أحد الحاضرين والذي يظهر أنه يعرف الرقية ولذلك استأذن الرسول في أن يرقيه- كما في الرواية الثانية- وتأمل كذلك كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم هو برقيته وهذا كله تعليمٌ وإرشاد للأمة لمراعاة المتخصص في هذا الشأن، والله أعلم.


4-روى ابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- أنه قال: بعثَنا رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- في سَريَّةٍ فمرَرْنا على أهلِ أبياتٍ فاستضَفْناهم، فأبَوْا أنْ يُضيِّفونا، فنزَلوا بالعَراءِ فلُدِغ سيِّدُهم فأتَوْنا فقالوا : هل فيكم أحَدٌ يَرقي ؟ قال : قُلْتُ : نَعم أنا أَرقي قالوا : ارقِ صاحبَنا قُلْتُ : لا قد استضَفْناكم فأبَيْتُم أنْ تُضيِّفونا قالوا : فإنَّا نجعَلُ لكم جُعْلًا قال : فجعَلوا لي ثلاثينَ شاةً قال : فأتَيْتُه فجعَلْتُ أمسَحُه وأقرَأُ بفاتحةِ الكتابِ حتَّى برَأ فأخَذ الشَّاءَ فقُلْنا : نأخُذُها ونحنُ لا نُحسِنُ نَرقي فما نحنُ بالَّذي نأكُلَها حتَّى نسأَلَ عنها رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فأتَيْناه فذكَرْنا ذلك له قال : فجعَل يقولُ : " وما يُدريكَ أنَّها رُقْية" ؟ قال : قُلْتُ : يا رسولَ اللهِ ما درَيْتُ أنَّها رُقْيةٌ شيءٌ ألقاه اللهُ في نفسي فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : " كُلوا واضرِبوا لي معكم بسَهمٍ ".

صحح إسناده شعيب الأرناؤوط في تخريجه لصحيح ابن حبان ح 6112، وأصله في الصحيحين.

تأمل قولهم: نأخُذُها ونحنُ لا نُحسِنُ نَرقي فما نحنُ بالَّذي نأكُلَها حتَّى نسأَلَ عنها رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
وهذا يدلك على أنه كان من المتقرر عندهم أن الرقية لها رجالها، وأنه ليس كل أحدٍ يمكنه أن يتصدّى للرقية والقراءة على الناس، وتوقفوا في الأكل من هذه الغنم التي أخذوها خشية أن يكون هذا الأجر ليس يحِل لهم؛ لأنهم لا يحسنون الرقية، ولكن لما جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- وسأل أبا سعيد- رضي الله عنه- وسمع جوابه أقرّه، وصوّب اجتهاده، وأنه ممن يحسن الرقية، وأذن لهم في الأكل منها، وطلب منهم أن يعطوه منها حتى يأكل منها، ويقرر لهم الحل بالفعل بعد أن قرره بالقول؛ حتى تطمئن قلوبهم، ويزول ما في أنفسهم من شبهة.


5- أخرج الإمام أحمد، والترمذي وصححه، عن أسماء بنت عُميس- رضي الله عنها- أنها قالت : " يا رسول الله، إن بني جعفر تصيبهم العين، أفنسترقي لهم؟، قال: نعم، فلو كان شيء سابق القدر لسبقته العين ".

حسنه شعيب الأرنؤوط في تخريج المسند 27470، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه 2845.

فتأمل في هذا الحديث كيف أذِن لها النبي- صلى الله عليه وسلم- في أن تسترقي لأبناء جعفر، ولم يرشدها إلى أن تقوم بالرقية، وأقرّها على أن هذه الحال التي وصل إليها أبناء جعفر من نحول أجسامهم هو بسبب سرعة إصابة العين لهم، ولم يقل لها من العبارات ماقد نسمعه في كثير من الأحيان من بعض الناس كقولهم: انتِ موسوسة، أو قولهم: العين تركت الكفار وما جاءت إلا لك ولأبناءك، وغيرها من العبارات التي قد يُفهم منها عدم التصديق بتأثير العين، أو التقليل من شأن خطرها، أو إبعاد الناس عن العلاج بالرقية الشرعية بينما لا يجدون غضاضة في الأمر بالذهاب إلى الأطباء والمستشفيات، والله المستعان.

الخلاصة: دلّت هذه الأحاديث على مراعاة مبدأ التخصص في الرقية الشرعية، وأن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان يُرشد إلى طلب الرقية، وأنه لم يقم هو بالرقية، ولا طلب ممن أصيب بالعين، أو بلدغ العقرب أن يرقي نفسه بنفسه، وهذا منه صلى الله عليه وسلم تعليمٌ وإرشاد للأمة بأن يكون هناك من يِحسن الرقية، ويتخصص فيها حتى يمكن الذهاب إليه، وطلب الرقية منه.

ولا يعني هذا أن الإنسان لا يقرأ على نفسه، ولا يرقي نفسه بنفسه فإن هذا ليس ممنوعًا شرعًا، وإنما الكلام في أن طلب الرقية من الغير، والذهاب إلى مَن يرقي ليس أمرًا مستنكرًا، ولا مخالفًا للشرع، بل هو هدي النبي-صلى الله عليه وسلم- حتى مع أحب الناس إليه الحصان الرزان أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- حيث أمرها بالاسترقاء من العين ، ومن هنا نعلم أن ما يُطالب به البعض من الاقتصار على أن يقرأ الإنسان بنفسه على نفسه، أو أن يقرأ على أهله وذويه مع أنه لا يُحسن الرقية، ولا يُحسن التصرف مع المريض إذا طرأ عليه شيء، ليس أمرًا موافقًا للشرع، ولا لما جاء من توجيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكرنا من الأحاديث، وغيرها كثير، بل وهناك آثار أيضًا عن الصحابة-رضوان الله عليهم- تسير في هذا الاتجاه، وتؤكد مراعاة التخصص في الرقية، ولكني لم أوردها خشية الإطالة، وفيما ذكرناه كفاية في توضيح ما أردنا تقريره في هذا الشأن، وهو: مراعاة مبدأ التخصص، والله وحده الموفق للصواب.




الاحتفال بالمولد النبوي




الاحتفال بالمولد النبوي




الحمدلله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

إذا قال لك المحتفل بالمولد: ما هو الدليل على أن الاحتفال بالمولد بدعة؟
فقل له: ماهو الدليل على أن الاحتفال بالمولد سنة؟

فإن قال لك: الدليل هو كذا وكذا وبدأ يسرد لك آيات وأحاديث، فقل له: هذه الآيات والأحاديث: هل كان الصحابة - رضوان الله عليهم- يعرفونها أم لا؟

فإن قال: نعم يعرفونها، فقل له: إذا كانوا يعرفونها وأنها تدل - كما ترى أنت - على أن الاحتفال بالمولد سنة، فلماذا لم يعملوا بهذه السنة؟!
هل كانوا لا يحبون النبي- صلى الله عليه وسلم- ؟!!
هل تركوا شيئًا من الدين، ولم يبينوه للناس حتى يعملوا به؟!

عندها قد يسكت ولا يملك جوابًا، فقل له: يا أخي، ليسعك ما وسع الصحابة - رضي الله عنهم - ؛ فهم لم يحتفلوا بالمولد رغم حبهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، فافعل كما فعلوا ولا تحتفل بالمولد، فإن عدم الاحتفال به لا يدل على أنك لا تحب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قال بعضهم في الجواب عن السؤال: لقد كانوا مشغولين بالجهاد!!

وهذا الجواب مردود على صاحبه؛ فحتى إن كان الصحابة مشغولين ، ألا يبينون للناس أن الاحتفال بالمولد سنة؟ وأنهم مشغولون بالجهاد عن فعل هذه السنة؟!
ألا يُعتبرون بذلك قد كتموا شيئًا من الدين لم يبينوه للناس؟!!

حاشا لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن يتركوا سنة فيها إظهار الحب له، أو حتى أن يمتنعوا عن تعليم الناس فعلاً جائزًا يدل على تعظيم الرسول- عليه الصلاة والسلام-.
كيف وهم المعظمون لأمره، المحبون له حبًّا أشد من حبنا نحن له - رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين-.

يقول الإمام مالك - رحمه الله-:

لقد أنزل الله على رسول - صلى الله عليه وسلم -قوله : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا" ، فما لم يكن يومئذ دينًا؛ فليس اليوم بدين. اهـ

فهل كان الاحتفال بالمولد من الدين يوم نزلت هذه الآية؟
الجواب: لا.
فكيف نعتبره اليوم من الدين إذًا؟!!!

وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم- :

 " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" ، فهل كان المولد من سنة الخلفاء الراشدين حتى نفعله؟ 
هل فعله أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي - رضي الله عنهم أجمعين- ؟
هل يمكن أن نسبق نحن إلى خير أو إلى سنة أو إلى طاعة لم يسبقونا هم إليها؟!

وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم- أيضًا :
 " من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد ".

فهل الاحتفال بالمولد من أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من أمر أصحابه - رضي الله عنهم - ؟
الجواب: لا، وإذًا فهو مردود على صاحبه.

مما سبق نعلم أن العلماء الذين أفتوا بجواز الاحتفال بالمولد وأنه سنة حسنة وقعوا في الخطأ؛ لأن جميع من سبقهم من الصحابة - رضوان الله عليهم-، والتابعين ، وأصحاب المذاهب الأربعة المشهورة - رحمهم الله أجمعين-  لم تأتِ عنهم كلمة واحدة تدل على أن الاحتفال بالمولد سنة أو أنه أمر جائز، وهؤلاء لهم من المكانة والفضل والرسوخ في العلم ما ليس لغيرهم ممن جاء بعدهم؛ فعلينا أن نتمسك بما كان عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- ،  وبما كان عليه أصحابه -رضوان الله عليهم - وبما كان عليه سلف هذه الأمة - رحمة الله عليهم- ؛ فلا نُشرِّع عبادة لم يفعلوها ولم يعملوا بها، وإلا وقعنا فيما حذر منه النبي- صلى الله عليه وسلم - حينما قال: " إياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ".

اللهم وفقنا لمتابعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - في أقواله وأفعاله، وفي سيرته وأخلاقه، فمتابعته أكبر دليل على محبته كما قال الله - جل وعلا -: 
" قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ".

اللهم وثبتنا على ذلك حتى نلقاه على الحوض غير مبدلين ولا مبتدعين، اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك وخليلك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



كتبه أخوكم/ أبو عبد الله مجالي بن محمد البوق.


أثر آيات السكينة في دفع الشياطين، وقصة ابن تيمية معها.



آيات السكينة



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

ذكر ابن القيم-رحمه الله- في كتابه مدارج السالكين ضمن حديثه عن منزلة السكينة كلامًا مهمًا في فضل آيات السكينة وعظم أثرها في حصول طمأنينة القلب فقال: " وكان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إذا اشتدت عليه الأمور : قرأ آيات السكينة، وسمعته يقول في واقعة عظيمة جرت له فى مرضه تعجز العقول عن حملها من محاربة أرواحٍ شيطانية ظهرت له إذ ذاك في حال ضعف القوة، قال : فلما اشتد علي الأمر قلت لأقاربي ومن حولي : اقرأوا آيات السكينة، قال : ثم أقلع عني ذلك الحال وجلست وما بي قٌلبة. 
وقد جربت أنا أيضًا قراءة هذه الآيات عند اضطراب القلب مما يرد عليه فرأيت لها تأثيرًا عظيمًا في سكونه وطمأنينته (1) " اهـ .

وآيات السكينة هي الآيات التي وردت فيها كلمة (سكينة ) أو 
( السكينة ) في القرآن الكريم، وهي في ستة مواضع:

 الأولى : قوله تعالى : ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) البقرة : 248 

الثاني: قوله تعالى: ( ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ) التوبة : 26 

الثالث : قوله تعالى: ( إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة : 40 

الرابع : قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ) الفتح : 4 

الخامس : قوله تعالى : ( لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) الفتح : 18 

السادس : قوله تعالى : ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) الفتح : 26

وهذه القصة التي ذكرها ابن القيم عن شيخه ابن تيمية-رحمهما الله- فيها من الدلالات والفوائد ما ينبغي أن أشير إليه هنا فأقول:

لماذا يتعرض شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- إلى مثل هذا الهجوم القوي من الشياطين؟

الذي قرأ عن حياة شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- يدرك أنه كان يمارس الرقية الشرعية فقد كان يقرأ على المصروعين ومن به مس وكان ربما يستخدم الضرب في العلاج، وهذا الأمر معروفٌ عنه ولست بصدد الحديث عنه في هذا المقام، ولكن المقصود هو: بيان أن الشياطين قد يقومون بالهجوم على الراقي ؛لأنه في حالة حرب معهم وجهادٍ لهم ومتى ما رأوه في حالٍ ضعيفة-كحال المرض-ربما كثّفوا عليه الهجوم بُغية إيذائه والانتقام منه، مع أنه-رحمه الله- كان من أولياء الله الصالحين-نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا-وكان كثير الذكر لله عز وجل حيث كان يجلس من بعد صلاة الفجر وحتى وقت متأخر يذكر الله سبحانه وتعالى ويقول: " إنها  غدوتي إذا لم أتغدها خارت قواي سائر اليوم"(2).

لذلك لا يظن أحد أن الرقاة لا يتعرضون لأذى الشياطين وأنهم في مأمن من ذلك، وأنا بصفتي أمارس الرقية الشرعية تعتريني بعض الأحوال من جرّاء هجوم الشياطين عليّ في بعض الأوقات فلا أزال أدافعها بالقراءة والعلاج حتى تنجلي وتعود لي صحتي ونشاطي.

ثم تأمل-رحمك الله- كيف يصف ابن القيم هذه الواقعة التي جرت لشيخه بأنها عظيمة تعجز العقول عن حملها، نعم إن أمور الجن والشياطين لو أراد المرء أن يتكلم فيها وما يحصل منهم من الأذى والحرب لربما لم يصدق ذلك كثيرٌ من أهل العلم فضلًا عن غيرهم من عامة الناس، وما ذلك إلا لأن هذا عالمٌ غيبيّ وأموره محجوبة ومستورة عن الناس، ولا يعرف أحوال هذا العالم إلا من اتصل به عن طريق ممارسة الرقية والعلاج للمصابين بالعين والسحر والمس، فيرى فيه من العجائب والأحوال التي تعجز العقول عن حملها وتصورها وإدراكها والله المستعان وبه الثقة وعليه التكلان.

وقد أورد ابن القيم-رحمه الله- في كلامه هنا شيئًا قد يكون عجيبًا مستغربًا عند بعض الناس وذلك حينما قال: " من محاربة أرواحٍ 
شيطانية ظهرت له إذ ذاك " فتأمل معي قوله: " ظهرت له " وهي
 كلمة واضحة في أنه-رحمه الله-كان يراهم (أعني: تلك الأرواح
 الشيطانية التي حاربته) وإلا فما معنى الظهور هنا غير ما ذكرته؟
 وليس هذا بأمرِ مُستنكر ولا مستغرب فبعض الناس قد يرى الجن
 والشياطين وقد قرر هذا ابن تيمية-رحمه الله-في كتبه وأجاب عن
 قوله تعالى: ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ) الأعراف:27
وبيّن أن الآية لا تعني أنه يستحيل رؤية الشياطين والجن بل إن هذا ممكن ولكن في بعض الأحوال دون بعض (3) وليس المقصود هنا تقرير هذه المسألة ونقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-فيها، وإنما بيان أنه قد ظهرت له هذه الشياطين وأنه كان يراهم والله أعلم.

كذلك من الفوائد التي يمكن استنباطها من هذه القصة أنه-رحمه الله- حينما وقعت له هذه الواقعة أمر بعض أقاربه ومن حوله بقراءة آيات السكينة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا نسمي هذا الأمر منه للغير بقراءة هذه الآيات؟
إن هذه الآيات كانت بمثابة رٌقية شرعية حصل بها دفع هؤلاء الشياطين عنه، وحصل بها زوال ما به من  الضعف والمرض، وقام وما به قُلبة (أي: تعب أو نصب أو مرض) فهذا يعني أنه أمر من حوله بالرقية له بقراءة آيات السكينة، فالعالم الرباني قد يحصل له مثل هذه الحال من الضعف وأذى الشياطين له ولا يستطيع أن يقرأ بنفسه على نفسه فيطلب من غيره أن يقرأ عنده شيئًا من القرآن ليدفع عنه هذا الأذى وتذهب عنه هذه الأرواح الشيطانية فالضرورات لها أحكام، فأستطيع القول بأن ابن تيمية-رحمه الله-استرقى في هذه الواقعة (أي: طلب الرقية من الغير) مع أن المعروف عنه-رحمه الله- أنه كان يرى ألا يطلب المسلم الرقية من غيره بناءً على الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في السبعين ألفًا من أمته الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأنهم... " هم الذين لا يَسْتَرْقون، ولا يَتَطَيَّرون ، ولا يَكْتَوون ، وعلى ربهم يَتَوكلون" (4) وأن قوله عليه الصلاة والسلام: " لا يسترقون" أي: لا يطلبون الرقية من غيرهم، وهذا هو أحد القولين في المسألة الذي مشى عليه ابن تيمية-رحمه الله-والقول الثاني: أن قوله" لا يسترقون " أي لا يطلبون الرقى غير الشرعية، أما طلب الرقية الشرعية فلا حرج فيه ولا ينافي هذا الحديث ولا يُفوّت هذا الفضل الوارد في الحديث، و هذا هو الراجح (5) لأدلة كثيرة ليس هذا مقام بسطها وشرحها، والمقصود هنا أن ابن تيمية-رحمه الله-استرقى وطلب الرقية في هذه الواقعة فإما أن يكون هذا قولًا آخر له في هذه المسألة، وإما أن يكون قد رأى أن هذه الحال حال ضرورة والضرورات لها أحكام تختلف عن الأحوال الاعتيادية والله أعلم.
ولذلك قد يُصاب بعض طلاب العلم بل والعلماء بشيء من العين أو المس أو السحر وقد يؤدي هذا إلى أن يضعفوا عن القيام ببعض المستحبات الشرعية بل والواجبات كذلك فعندها لابد من أن يسلكوا طريق الرقية ويطلبوا الرقية من غيرهم ممن يُوثق فيه من الرقاة حتى يزول عنهم هذا الأذى والبلاء ثم إذا ذهب عنهم رجعوا إلى ما كانوا عليه من ترك طلب الرقية-إن كانوا ممن يرون أن طلب الرقية وإن كانت شرعية يُفوّت عليهم الفضل الوارد في هذا الحديث- فإن عمران بن حصين -رضي الله عنه وأرضاه-كانت تسُلّم عليه الملائكة فلما اكتوى ذهب عنه ذلك، فلما ترك الاكتواء رجع إليه الأمر ثانيةً وأصبحت تُسلّم عليه الملائكة (6).

وفائدةٌ أخرى لهذه القصة: هي بيان عظمة هذه الآيات وتأثيرها في دفع أذى الشياطين-كما حصل ذلك لابن تيمية رحمه الله-،وكذلك بيان عظيم أثرها في حصول الطمأنينة والسكينة للقلب كما جرّب ذلك تلميذه ابن القيم-رحمه الله- فيما ذكره من الكلام في هذا الموضع.

فينبغي للمرء حفظ هذه الآيات وقراءتها على نفسه وعلى غيره ممن قد يحتاج إلى الرقية وأنا والحمد لله جربت قراءتها على المرضى والمصابين وخاصة إذا كان عندهم حالة من الخوف والذعر فإنه بعد قراءة هذه الآيات عليهم وتكرارها يحصل لهم الأمن والطمأنينة وذهاب الخوف وحالة الهلع والذعر التي قد يكون سببها تسلط الشياطين عليهم، والحمد لله الذي جعل في هذا القرآن شفاءً للمؤمنين فالقرآن كله شفاء وبعضه أفضل من بعض سواءً من حيث السور أو الآيات.

هذا ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذا القرآن العظيم وبما ورد فيه من الآيات والذكر الحكيم، وألا يجعلنا ممن هجره وهجر الاستشفاء به، وأن ينفعنا بما علّمنا ويعلّمنا ما ينفعنا.
هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.






(1) مدارج السالكين لابن القيم،ج٢، ص٥٠٢-٥٠٣.
(2) ذكر هذا عنه تلميذه ابن القيم-رحمه الله-. انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدمشقي ص69، المكتب الإسلامي-بيروت، ط1 1393ه.
(3) راجع فتاوى ابن تيمية-رحمه الله- ج7، ص15.
(4) رواه البخاري وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، انظر الحديث رقم (5705).
(5) رجحه شيخنا ابن عثيمين-رحمه الله-وذلك في تعليقه على كتاب الطب من صحيح البخاري، وهو الذي ترجح عندي بعد البحث والدراسة والنظر في الأدلة ولعل الله يسهل نشر هذه الدراسة ونتائجها قريبًا إن شاء الله ؛حتى يعم النفع بها للحاجة الماسة إلى هذه المسألة.
(6) رواه مسلم من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، انظر الحديث رقم (1226).

الأمة بين منهج التكفير السياسي ومنهج التكفير الشرعي



الأمة بين منهج التكفير السياسي ومنهج التكفير الشرعي




أحمدك ربي وأصلي على نبيك وبعد:

قال أحدهم: كيف يكون القذافي كافرًا وهو يقول لا إله إلا الله؟! وقد أتى إلى مكة غير مرةٍ معتمرًا‪!
‏يا جماعة منهج التكفير خطير‪ وهو منهج الخوارج‪!
‏هل هذا تكفير شرعيٌ أم سياسي؟‪!

‏ومن قبلها كان صدّام كافرًا لما غزا الكويت، ومن بعدها بشّار كافرٌ يقتل شعبه‪ رجالاً ونساءً وأطفالاً، ما يُدرينا غدًا إذا سقطت بعض الأنظمة تَخرج الفتاوى بأن رؤوسها كانت كافرة! اختلط الحابل بالنابل، فما هو الحق؟‪!

كانت هذه التغريدات تعليقًا على تغريدةٍ ذُكِر فيها أن سيف الإسلام القذافي اتصل بأحد العلماء وطلب منه أن يتكلم ويبين للناس عدم جواز الخروج على ولي الأمر فقال له الشيخ: أبوك كافر.

وكانت تلكم التغريدات تحمل هذه التساؤلات التي نسمعها كثيرًا، وأصبح الناس يشككون في مناهج التكفير، وأنه ليس هنالك إلا التكفير السياسي الذي تكون دواعيه غضب الأنظمة والحكومات في أي بلدٍ من البلاد على أشخاصٍ أو حكامٍ أو جماعات، فعندها قد يؤذن ببيان الحكم الشرعي وتكفير هذا الشخص أو الحاكم أو الجماعة المغضوب عليها، وجوابًا على هذه التساؤلات أقول مستعينًا بالله:

إن من أصول أهل السنة والجماعة تكفير من كفّرَه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن دلّت النصوص الشرعية في الكتاب والسنة على تكفيره، وأن هذا التكفير عقيدةٌ يدين بها المسلم لربه ولا يخضع فيها للأهواء الباطلة والسياسات الجائرة التي لا تنضبط بشريعة الله المنزَّهة عن العبث

يقول تعالى:( قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ) وهي شهادة ألا إله إلا الله، فلا يتحقق التوحيد بدون الكفر بالطواغيت بأنواعها المختلفة، وقد نص أئمة الدعوة السلفية المباركة - رحمهم الله - على أن من لم يُكفّر الكافر أو شك في كفره فهو كافرٌ مثله، والمقصود بالكافر هنا: اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الأصليين - بخلاف الكافر المرتد المختَلَف في تكفيره -، وقد كفّر اللهُ سبحانه في كتابه اليهود والنصارى والمشركين والآيات في هذا معلومة, أما هذا الجهل الذي سرى في الأمة موافقًا لعقيدة الإرجاء المبتدَعة الضالة، والتي تنص على أنه لا يضر مع الإيمان ذنبٌ كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وليس عندهم كفرٌ إلا ما ناقض تصديق القلب وهو كفر التكذيب؛ لأنهم يرون أن الإيمان هو مجرد تصديق القلب فلا يرتفع إلا بتكذيب القلب وهو الاستحلال، وهذه من الطوام التي انتشرت في الأمة، والتساؤل الأول حول القذافي يعكس نموذجًا لهذا الجهل المنتشر، فهل الإسلام فقط أن ينطق المرء بالشهادتين ثم يأتي بعد ذلك بما ينقض الدين ثم يبقى على إسلامه؟!

مثالٌ واضحٌ لكي تُفنّد هذه الشبهة ما فعله الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - وأجمعوا عليه حينما قاتل الصديق - رضي الله عنه - المرتدين, لقد كان هؤلاء المرتدون من العرب لهم مساجد يؤذنون فيها ويقيمون الصلاة ويشهدون ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولكنهم جحدوا وأنكروا فريضة الزكاة فحكم عليهم الصحابة بالردة وقاتلوهم، فلم تنفعهم "لا إله إلا الله" ولا الصلاة في المساجد، وهكذا كل من قال "لا إله إلا الله" ثم خالفها بأقوالٍ أو أفعالٍ تناقض أصل الدين فإنه يكون قد خرج عن دائرة الإسلام، ولا تصبح شهادة ألا إله إلا الله عاصمةً لماله ودمه(١)، ومن بركات هذه الثورات أنه أصبح بإمكان أهل العلم أن يبينوا حكم الله في هؤلاء المجرمين وإن كانوا قبل ذلك لا يستطيعون إظهار هذه العقيدة وهذا الدين، والكلام ليس مختصًا ببلدٍ دون بلد.

وأما القول بأن منهج التكفير خطيرٌ فإنه إذا كان التكفير مستندًا إلى الأدلة الشرعية فلا خطورة فيه، إلا إذا كان المقصود أن من قام بتكفير شخصٍ معينٍ حاكمًا كان أو غيره - حتى ولو كان في تكفيره هذا موافقًا لما دلت عليه النصوص الشرعية - يكون الأمر خطيرًا في حقه، وليست الخطورة ها هنا خطورةً شرعيةً وإنما هي خطورةٌ لما يترتب على هذه الفتوى وهذا القول من تهديد قائله بالسجن وخلافه عند مخالفته سياسات الحكّام التي تأبى الحكم بشرع الله وبما يوافق كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وربما قالوا تكفير المعين أمرٌ خطيرٌ، يريدون أن يبقى التكفير فقط للأفعال والأقوال وهاهم يكفرون القذافي وبشّارًا ومِن قبلهما صدّامًا، وهم أشخاصٌ وقع التكفير عليهم بأعيانهم، وهل ذكر الفقهاء في كتبهم باب الردة وحد المرتد ليبقى كلامًا نظريًا لا يُطبق على الواقع؟! وهل إقامة حد الردة إلا فرعٌ عن تكفير شخصٍ بعينه؟! 

لقد كفّر أهل العلم القذافي لأنه صاحب الكتاب الأخضر الذي يشبه من بعض النواحي كتاب جنكيز خان (الياسق) الذي كفّره بسببه علماء الإسلام كابن تيمية وغيره، وذكره ابن كثير في تفسيره وتاريخه، وصدّام حينما حكموا بكفره وردته لم يكن لأنه قتل وشرّد أهل الكويت، ولكنه كان يدين بعقيدة حزب البعث العربي الاشتراكي، وإلا فإنه من المعروف أن لو قتل مسلمٌ أمّةً من الناس لم يكن بذلك كافرًا؛ لأن القتل كبيرةٌ من الكبائر، ومنهج أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفّرون المسلمين بارتكاب الكبائر من قتلٍ(٢) وزنٍا وسرقةٍ وشرب خمرٍ...إلخ, ولكنه مع الأجواء السياسية وما يبثه الإعلام يظن الناس أنه إنما كُفِّر لأنه قتل الآلاف، وهذا في الحقيقة هو منهج التكفير السياسي الذي يربي فيه الإعلامُ الشعوب على منهج الخوارج، فأصبح الناس يعتقدون هذا المعتقد الفاسد تبعًا للأنظمة والأحداث السياسية، حتى أصبح يُلبّس على الناس في مبررات ودواعي التكفير، ومثل هذا التلبيس عليهم في وصف الخارجين على الحكام بأنهم خوارج مع أن الخارجين قد لا يعتقدون عقيدة الخوارج، وقد يقرر هذا بعض من ينتسب للعلم، ولا شك أن هذا تلبيسٌ خطيرٌ يراد منه التنفير ممن قام بهذا الخروج ولكنه بأسلوبٍ خاطئٍ يلزَم منه لوازم باطلة. 

إن من يعتقد أن المسلم يكفر بارتكاب الكبيرة وأنه يخلد في النار هو من الخوارج وإن لم يقم بخروجٍ مسلحٍ على الولاة، ومن قام بخروجٍ مسلحٍ على الولاة لأغراضٍ سياسيةٍ أو غير ذلك لا يلزم أن يكون خارجيًا طالما أنه لا يعتقد عقيدة الخوارج، لقد قاتل بعض الصحابة عليٍا - رضي الله عنه وعنهم -، ولا يصح بحالٍ وصْفُهم بأنهم خوارج؛ بل لقد وصف العلماء قتالهم بأنه من باب قتال أهل البغي، وكان قتالهم سببًا في معرفة الأحكام الشرعية المتعلقة بقتال البغاة، وخرج الحسين على أحد  أمراء بني أمية وقُتل - رضي الله عنه - وفُجعَت الأمة بقتله، ومن الفجور أن يقال أنه من الخوارج إلا إذا قُصد الخروج السياسي فهذا شيءٌ آخر، وخرج محمد ابن عبد الله النفس الزكية - رحمه الله - على أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي - عليه من الله ما يستحق - ولم يقل أحدٌ من علماء الأمة أنه من الخوارج، إذًا أصبحنا نعيش منهجًا جديدًا للتكفير وإطلاق وصف الخوارج تبعًا للسياسة وليس لما دلّت عليه النصوص الشرعية، والآن حينما تعلو الأصوات بكفر بشّار فليس لأنه يأمر أتباعه بذبح شعبه رجالاً ونساءً وأطفالاً، بل لأنه يعتقد نفس عقيدة صدّام حسين (عقيدة البعث) ولأنه ينتسب إلى النصيرية - إحدى الفرق الباطنية - التي يعتبرها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بأنها أشد كفرًا من اليهود والنصارى, لقد أصبحنا نعيش تلبيسًا كبيرًا لمفاهيم العقيدة الإسلامية بفعل ما تقوم به وسائل الإعلام من مكرٍ بالليل والنهار، وبسبب هذا التلبيس تكسرت حواجز الولاء والبراء لدى الكثيرين من هذه الأمة, وأما عن الغد - وما أدراك ما يكون في غدٍ - فنَعَم سوف تظهر للأمة شخصياتٌ كانت توصف بالإسلام وتُمدَح بأنها تعمل على إعلاء كلمة الله ونشر دين الله إلى غير ذلك، ثم تفضح سيرتها الذاتية وما كانت عليه من أعمالٍ تناقض أصل الدين فيلعنهم الناس كما يلعنون القذافي وبشارًا.

مصيبتنا ليس في العوام الذين يُلبَّس عليهم وتُغسَل أدمغتهم ليلاً ونهارًا، وإنما في أناسٍ يشار إليهم بالبنان وأنهم من دعاة الإسلام وأنهم من العلماء، ثم تتلون مواقفهم كتلون الحرباء، أحدهم يحضر مؤتمراً في بغداد فيشيد ويمدح الرئيس صدّام حسين، ثم لما غزا الكويت أصبح هذا الرئيس الممدوح المشاد به كافرًا مرتدًا!! لقد كان سبب تكفيره قائماً يوم أن كان يمدحه ويمجده، ويدرك هذا الشيخ تمامًا أن قتل المئات أو الآلاف من النفوس المعصومة ليس مبررًا لتكفير صدّام أو غيره. وآخرٌ ذهب إلى تونس قبل الثورة فكان الرئيس زين العابدين بن علي محل الثناء والإطراء من قبل الشيخ والمفكر والداعية، وبعد خلع الرئيس تكلم ذلك الموصوف بتلك الصفات وذكر الرئيس المخلوع بما يستحقه من الوصف!! هذه هي مصيبتنا الحقيقية في هؤلاء الذين يتلونون كتلون الحرباء تظهر اللون الذي يحميها من تقييد حريتها وقتلها، ويركبون الموجة حتى يكسبوا الشعوب، ولو ثبتوا على مواقفهم في المدح والثناء والإطراء لهذه الرموز الفاسدة والرؤوس الكاسدة لبصقت عليهم الأمة وألقتهم مع هؤلاء الرموز إلى مزبلة التاريخ. 

اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس, اللهم أبرم لهذه الأمة أمرًا رشدًا يُعز فيه أهل الطاعة ويُذل فيه أهل المعصية, اللهم صل على محمدٍ وآله وبارك وسلّم*.




(١)وهذا من باب الإطلاق العام، وأما عند التعيين فلابد من مراعاة ضوابط التكفير بتحقق شروطه وانتفاء موانعه.
(٢) ومثله القتال ؛فإن قتال المسلمين هو من البغي والعداون عليهم وهو من الكبائر، أما من رأى أن قتال طائفة من المسلمين يُعتبر من الكفر فهذا قد جعل الكبيرة مُكفّرًا من المكفّرات التي يخرج بها المرء من دائرة الإسلام وهذا من عقيدةالخوارج الذين يُكفّرون بفعل الكبيرة، ومنهم في عصرنا البغدادي وجماعته ( داعش ) الذي كفّروا من يقاتلهم! وقد أجمع العلماء على أنه لا يكفر أحد بقتاله لأحد من المسلمين إلا إن قاتل نبيًا فعند ذلك يكون كافرًا مرتدًا، فخالفوا بتكفيرهم لمن قاتلهم هذا الإجماع ووافقوا ما عليه الخوارج من عقيدة ضالة وباطلة.
*كنتُ قد نشرت هذا المقال قبل أربع سنوات على تويت ميل وأعيد نشره هنا للفائدة مع بعض الزيادات والتوضيحات.

هذا بيان للناس: جماعة الدولة والخلافة الراشدة ( رابط تحميل البيان كاملاً + روابط الاستماع للتسجيل الصوتي ).








الحمدلله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه- كما يحب ربنا ويرضى-، وأصلي وأسلم على الهادي البشير والسراج
المنير نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإنني لمّا نظرت فيما كُتِب عن جماعة الدولة- وهي الجماعة التي يُطلق عليها اختصارًا اسم ( داعش )، وفيما
كُتِب عن إعلانها الخلافة- في غُرّة رمضان لعام 1435هـ، وجدت أنه يتناول الموضوع من زاوية فقهية، أي:
من جهة شروط الإمامة، وانطباقها أو عدمه على أمير هذه الجماعة " أبي بكر البغدادي"؛ فكان مما دعاني
إلى كتابة هذه الرسالة أنني أحببتُ أن أتناول الموضوع من زاوية أخرى، وذلك بالنظر إلى ما ورد في
الأحاديث النبوية والآثار السلفية المتعلقة بالفتن والملاحم وأشراط الساعة وأخبار آخر الزمان.

وإنما أردت تناول هذه الزاوية خاصة؛ لأنني أعلم أن المجاهدين الموجودين في صفوف جماعة الدولة وغيرها
من الجماعات الجهادية يعتنون اعتناءً بالغًا بما يتعلق بأخبار آخر الزمان- ومنها أخبار المهدي-،وعلى هذا؛
فإن تناول الموضوع من هذه الزاوية يكون أدعى لحصول القناعة لديهم، وحصول الفهم لما أردتُ توضيحه
وإيصاله إلى مسامعهم.

ثم إنهم كذلك يهتمون بأمر الرؤى، ويولونها عناية خاصةً واهتمامًا كبيرًا؛ ولذلك جعلت هذه الرسالة
مشتملة أيضًا على مخاطبتهم بهذا الأمر، وذلك بإيراد عدد من الرؤى التي حرصتُ على أن تكون قصيرة ؛
حتى لا يختلف المعبرون في تعبيرها. وهي واضحة- بحمد الله-، وقد استوثقت من أصحابها.

 فجاءت هذه الرسالة إذًا لتوضح: هل هذه الخلافة على منهاج النبوة- كما ادّعى أصحابها-، وهل يمكن أن
تكون هناك خلافة راشدة على منهاج النبوة قبل المهدي أم لا. وقد بينت فيها أن كل حكم يسبق خروج
المهدي، إنما هو في الحقيقة صورة من صور الحكم والملك الجبري- وإن أُلبس لباس الخلافة-.

وكنت قد شرعت في كتابة أصل هذه الرسالة في شهر جمادى الثانية سنة ١٤٣٥هـ، غير أني كلما استخرت
الله في نشرها، لم ينشرح صدري لذلك، ثم حدثت أحداث وجدّت أمور؛ اقتضت أن أضيف بعض
الزيادات إلى أصل الرسالة حتى تواكب المستجدات. وكانت هناك رؤى جديدة قد وردت أيضًا - غير
التي كنت قد كتبتها في أصل الرسالة-، فقمت بإضافتها ؛ لأنها تزيد الأمر وضوحًا لدى القارئ.

وقد أوردت في رسالتي هذه عددًا من الأحاديث والآثار، واعتمدت تصحيح غالبها مما يشكّل أصل الموضوع
ومحوره، وربما ذكرت بعض الأحاديث الضعيفة؛ للاستئناس بها في توضيح بعض الأمور التي ورد ذكرها.

ولما كانت الرسالة مشتملة على عدد من الرؤى؛ قمت بتأليف رسالة بعنوان: ( العمل بالرؤى أحكامه
وضوابطه ) بمثابة توطئة ومقدمة لهذه الرسالة؛ لأن البعض ربما لا يدرك قيمة الرؤى في المنظور الشرعي،
فمهدّت بكتابة رسالة حول هذا الموضوع حتى يدرك القارئ أحكام وضوابط العمل بالرؤى. ولهذا أنصح كل
من ظهر له إشكال فيما يتعلق بالرؤى التي أوردتها في رسالتي هذه بالرجوع إلى رسالة العمل بالرؤى؛ فلعله
يجد فيها جوابًا شافيًا كافيًا حول هذا الأمر.

وقد ختمت رسالتي هذه ببيان الموقف الشرعي الذي أدين الله به من جماعة الدولة وأميرها أبي بكر
البغدادي، وتقديم نصيحة لإخواني المجاهدين الموجودين في أرض الشام المباركة.

 هذا وأسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينفع بهذه الرسالة عموم الأمة، والمجاهدين على وجه الخصوص، وأن
يكتب لها القبول والانتشار، وأن يجعلها  خالصةً لوجهه الكريم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه
 وسلم .

لتحميل البيان كاملاً بصيغة ( pdf ):


للاستماع إلى التسجيل الصوتي للبيان، والفديو الذي يشرحه- عبر يوتيوب-:










                  


- Copyright © مجالي البوق - Skyblue - Powered by Blogger - Designed by Johanes Djogan -